ابن أبي الحديد

215

شرح نهج البلاغة

ألا من سمع فليقل ، ومن شهد فليتكلم ، إنما هو ثعالة شهيده ذنبه ، مرب لكل فتنة ، هو الذي يقول : كروها جذعة بعد ما هرمت ، يستعينون بالضعفة ويستنصرون بالنساء ، كأم طحال أحب أهلها إليها البغي . ألا أنى لو أشاء أن أقول لقلت ولو قلت لبحت ، إني ساكت ما تركت . ثم التفت إلى الأنصار فقال : قد بلغني يا معشر الأنصار مقالة سفهائكم ، وأحق من لزم عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنتم فقد جاءكم فآويتم ونصرتم ألا إني لست باسطا يدا ولا لسانا على من لم يستحق ذلك منا . ثم نزل ، فانصرفت فاطمة عليه السلام إلى منزلها . * * * قلت : قرأت هذا الكلام على النقيب أبى يحيى جعفر بن يحيى بن أبي زيد البصري وقلت له : من يعرض ؟ فقال : بل يصرح . قلت : لو صرح لم أسألك . فضحك وقال : بعلي بن أبي طالب عليه السلام ، قلت : هذا الكلام كله لعلى يقوله ! قال ، نعم ، إنه الملك يا بنى ، قلت : فما مقالة الأنصار ؟ قال : هتفوا بذكر على فخاف من اضطراب الامر عليهم ، فنهاهم . فسألته عن غريبه ، فقال : أما الرعة بالتخفيف ، أي الاستماع والإصغاء ، والقالة : القول ، وثعالة : اسم الثعلب علم غير مصروف ، ومثل ذؤاله للذئب ، وشهيده ذنبه ، أي لا شاهد له على ما يدعى إلا بعضه وجزء منه ، وأصله مثل ، قالوا : إن الثعلب أراد أن يغري الأسد بالذئب ، فقال : إنه قد أكل الشاة التي كنت قد أعددتها لنفسك ، وكنت حاضرا ، قال : فمن يشهد لك بذلك ؟ فرفع ذنبه وعليه دم ، وكان الأسد قد افتقد الشاة . فقبل شهادته وقتل الذئب ، ومرب : ملازم ، أرب بالمكان . وكروها جذعة : أعيدوها إلى الحال الأولى ، يعنى الفتنة والهرج . وأم طحال : امرأة بغى في الجاهلية ، ويضرب بها المثل فيقال : أزنى من أم طحال .